التبرير


“لأن فيه معلن بر الله بأيمان لأيمان كما هو مكتوب اما البار فابالايمان يحيا”رو 1: 17

 كانت هذه الايه بمثابة السهم الذي اخترق قلب الراهب الالمانى لوثر فى القرن السادس عشر وهو يتأمل بها محاولا فهم ما هو بر الله، حتى اكتشف انه البر الذي يمنح من الله في المسيح و يحسب للمؤمن بواسطة الايمان ،فيحسب له بر المسيح وقد قال لوثر عن هذا الاكتشاف :”البر الممنوح من الله الذى عن طريقه يجعلنا الله الرحيم ابرارا بالايمان كما هو مكتوب “البار بالايمان يحيا“. انتابنى الشعور انى علي الفور ولدت ثانية ودخلت من اوسع الابواب الي الفردوس نفسه”.[1]

وعلي الرغم من ان اكتشاف لوثر للبر لم يكن غامضا في كتابات بولس الرسول بل كان واضحا وكذلك كان قريبا من تفسير اغسطينوس للبر لكن الجديد كان في امرين:

اولا :- احساس لوثر بأن تبرير المسيح لم يعد مرسوما الهيا تتوسط الكنيسة في توصيله للمسيحي لكنه تبريرا شخصيا يؤكد الخلاص الابدي للفرد و يعتقه من ثقل الخطية في هذه الحياة الحاضرة.[2]

ثانيا :- فهم لوثر التبرير علي انه تبرير قضائي جنائي وفصل بينه وبين التقديس و هذا هو الفرق بينه و بين اغسطينوس الذى لم يوضح هذا الامر فلم يكن التبرير عنده جنائيا [3]

لعل اشهر من جاء بعد لوثر من المصلحين اللاهوتين هو اللاهوتى الفرنسي الشهير جون كلفن الذي يعتبر ابو اللاهوت النظامى و قد اتفق عقائديا مع لوثر في امر التبرير الا انه وضح اراء لوثر واضاف عليها و يتضح ذلك من الاتى فأن كلفن نبر علي ان ما فعله المسيح يتقدم علي ما نفعله نحن كذلك قدم ثلاث اسباب  للتبرير وهى مافعله المسيح ،ما نفعله نحن ،عمل الروح القدس في انشاء الايمان .

كما اوضح كلفن كيف ان الايمان يعمل علي اشتراكنا في برالمسيح.

 ان التبرير كما يقول كتاب اللاهوت النظامي هو عمل خارجي وقضائى جنائي. ويجب عند شرحه وفهمه ان يتم الفصل بينه و بين التقديس كعمل داخلي. كما انه يتفق مع المصلحين في ان بر المسيح يحسب لنا بواسطة الايمان وان الاعمال او الكنيسة اواى شئ اخر لا يمكن ان يبررنا امام الله ،الا انه يتفق مع اغسطينوس في عدم فصل التبرير و التقديس عن بعضهما عند التكلم عن الحياة المسيحية في مجملها “فمن ثمارهم تعرفونهم” وان كان هناك تبريرا فلابد ان يكون هناك ايضا تقديسا و لا يعتقد الباحث في الرأى القائل ان التقديس يبدأ بعد التبرير فإن كان الباحث يفصل بينهم عند الشرح الا انه يعتقد ان عمل الروح القدس يبدأ بالتقديس و التبرير معا. وكما ان الاعمال هي دليل علي الايمان الحقيقي يري الباحث ان التقديس هو دليل التبريرالحقيقي.

  و فى النهاية اريد ان اتطرق الى الواقع اليوم حيث تسود  فكرة التبرير بالثواب والعقاب والاعمال الحسنة والمواظبة علي الكنيسة  حتى بين المؤمنين فبعضهم  يعتقد بأنه لن يتم تبريره الا اذا واظب علي الكنيسة وعمل اعمالا صالحة. ورغم اهمية ذلك الا انه من الخطر ان يفهم هذا علي انه تبريرا امام الله لأن ذلك يخلق داخل الكنيسة شعورا بعدم الامان و القلق و الاضطراب علي المصير وعلي معيار الرضا الالهي علي الفرد فيصبح لدينا خداما و مؤمنين مضطربين غير واثقين خائفين و بالطبع علينا ان نتوقع ضعف عام ليس فقط عقائدى ولكنه ضعف فى الايمان والثقة في الرب و لعل ذلك يجيب علي جزء من تساؤلاتنا لماذا تضعف الكنيسة. نحتاج في هذه الايام الي اعادة التنبير و التأكيد علي التبرير الكتابي بالنعمة المجانية و ان نكرز بذلك فلا نكون غير واضحين كخدام فينتج عنا مؤمنين متذبذبين وقلقين بل ان نكون واضحين في كرازتنا و كلامنا عن التبرير المجاني حتى لا ينتهي بنا الامرالي عصور مظلمة اخرى فنبحث عن وسائل جديدة تجعلنا مقبولين امام الله واعتقد انه في العصر الحديث لن تكون اسرار الكنيسة كما يعتقد التقليدين بل بعض البدائل النفسية مثل الخلوة الطويله  والشفاء الداخلي و البرامج التى عندما ندرسها تجعلنا مقبولين.


[1]  جون لوريمر, تاريخ الكنيسة ج4 , ترجمة عزرا مرجان, (القاهرة: دارالثقافة, 1990), 110

[2]  المرجع السابق ،110

[3]  جيمس انس،اللاهوت النظامى،ترجمة وتنقيح منيس عبد النور،(القاهرة:قصر الدوبارة،1999)، 569