يسوع و فريدريك


لا شك ان فريدريك نيتشيه هو واحد من اعظم المفكريين فى العصر الحديث, و يرجع ذلك ليس فقط الى تاثيره المزعوم على النازيين فى المانيا بل لأفكارة التى أثرت و ما زالت تؤثر, بل ان صح التعبير تتحدى أسس الفلسفة الغربية بل و جذورها الدينية المسيحية ايضا, و لعل الكثير من الغربيين فى العصر الحالى متاثريين بأراء نيتشيه أكثر من تاثرهم بالدين المسيحى او حتى من تأثرهم بفيلسوف المنطق الشهير ديكارت, بل ان الكثير من الشرقيين فى العالم اليوم يتبنون سواء بطريق مباشر و غير مباشر فلسفة هذا الالمانى حتى دون ان يدروا.

أود فى هذا المقال القصير أن أشير الى واحد من أهم المبادىء التى صاغها فريدريك نيتشيه و يتبناها الكثيرون دون أن يدروا , و مقارنة هذا المبدأ بأعلان يسوع المسيح. هذا المبدأ هو انه لا يوجد ما هو حقيقى بالفعل أو لا توجد حقيقة مطلقة , بل ان البشر يخلقون و يخترعون الافكار و المفاهيم  التى تناسبهم و تساعدهم على مواصلة الحياة اذا صدقوها و عاشوا بحسبها, و قد أكد فريدريك على أمريين هاميين فى هذا السياق و هما:

– يخلق البشر هذه الافكار او الاساطير(فى نظره) من خلال تعبيرات و مصطلحات لغوية  تناسب ثقافتهم و حضارتهم بل تصبح هى اساس لدفع هذه الحضارة الى الامام كما تدفع العجلات السيارة الى الامام.

-لا تستطيع الانسانية الحياة بدون هذه الاساطير و قد أعترف نيتشيه بذلك و رأى خطورة ضعف المسيحية وتجاهل الله عند الغربيين فى أيامه.

و قد ادى هذا الاعتراف الاخير بفريدريك نيتشيه الى البحث عن بديل عن الله والمسيحية ,التى رأى فيها ضعف و عبودية, ليكون الاسطورة المناسبة للحضارة الجديدة و التى يمكن ان تدفعها الى الامام و قد سمى هذا البديل السوبرمان او الانسان الخارق و اعتبر ان هناك عوده ابدية للنفس الانسانية الى الوجود ذاته مرة بعد مرة , و العجيب ان فيدريك لم يقدم ايه دلائل على اسطورتة فهى اسطورة (كذبة) و ليست حقيقة و لا تحتاج الى اثبات بل راى ان فائدتها فى تصديقها و تطبيقها, و دعا الى تبنى هذه الحقيقة الاسطورية التى اخترعها هو و تصديقها و تطبيقها كما امن الناس بالدين و وعد المؤمنيين بالسعادة و المثالية و التقدم نتيجة هذا الايمان فى الانسان السوبر  او فى الكذبة المثالية المناسبة التى يحتاجها العالم و الحضارة الغربية خاصة لكى تستمر فى تقدمها, حيث يحل الانسان السوبر محل الله.

و اليوم هناك الكثير من المفكريين والقادة السياسيين و العلمانيين و حتى الروحيين يعملون بوصية فريدريك فيخلقون الاكاذيب و يصوغونها ببراعة ليبيعونها لتابيعيهم الذين لا يستطيعون الحياة بدون هذه الاكاذيب المحبوكة, و لكن الفرق الوحيد ان نيتشه لم يحاول التدليل على صدق اكذوبته بل على نتيجة الايمان بها و مناسبتها لتحقيق السعادة و المثالية التى ينشدها الناس, لكن هؤلاء برعوا فى التدليل على صدق اكاذيبهم و احترفوا دقة صياغتها و اقناع الناس بها على انها الحقيقة و الحل لمشاكلهم.

لذلك امتلىء عالم اليوم بالاكاذيب المحبوكة التى تفوق الحقيقة فى حبكتها , بل اصبح الناس يعجبون بالحبكة اكثر من البحث عن الحقيقة ذاتها, فباراك اوباما فاز فى الانتخابات لانه صاغ أكاذيبة بشكل مقنع و مؤثر للشباب و ليس لانه حقيقى فهو ليس وطنى مخلص بل سياسى محترف و متكلم ساحر,و نجوم السينما أصبحوا اكثر شهرة و شعبية و تأثيرا من جميع الفئات الاخرى من الناس لانهم يؤدون جيدا او يبيعون لنا الاساطير التى نود ان نعيشها .

هذا الفكر تسلل الى الكنيسة ايضا فالناس تصدق اكاذيب كثيرة داخل الكنيسة رغم تعارضها الواضح مع حقائق الكتاب المقدس, لانها محبوكة و جذابة مثل كذبة انجيل الرخاء, و كذبة عصمة البشر من البابوات و غيرهم , بل اصبح اشهر الوعاظ فى الكنائس من يعظون ما يريده الناس و ما يطرب مسامعهم حتى لو خالف الحق الكتابى, و فى هذا السياق فان الكثير من الكناءس فى عصرناالحاضر حتى فى الطوائف الرئيسية لم تعد ترتكز على الكتاب المقدس بل على تعاليم البشر, مكررة نفس خطأ الفريسيين الذين تأمروا لقتل يسوع المسيح منذ 2000 سنة, بل ان فى الكنيسة اليوم من يؤمنون بما يرونه نافعا لهم من الانجيل (اى بالتطبيق) دون غيره من الوصايا, و الادهى من ذلك ان ترى فى الكنيسة صوت فريدريك الذى يدعو للقوة و الانسان السوبرذو الاراده الذى يحل محل الله و يحتل المركز و الرأس  اعلى من صوت يسوع الذى اعلن عن ضعف الانسان و حاجته الى نعمة الله, فأسطورة ” الله من أجل الانسان” اصبحت تلهم الكثير من المسيحيين اللذين كيفوا الله و شكلوه على صورتهم و شبههم فى جرأة لم يعرفها العالم الوثنى , فالمسيح و ان أخذ صورة و طبيعة بشرية فهو لم يكن فقط انسان بل اله, و هو و ان جاء ليخلص الانسان فذلك لكى يؤول لمجد الله الاب و ليس لمجد الانسان و كبرياء السوبرمان الابدى.

Advertisements

Create a free website or blog at WordPress.com.

Up ↑