ليلة الخريف


كانت ليله من ليالي الخريف وفيها شعرت بأرق شديد ، فلم استطع النوم, وأخيرا قمت ونظرت في ساعة الموبايل الذي كان فى مكان ما بجوار الفراش، واذا بها الرابعة والربع بعد منتصف الليل ، ذهبت الي المطبخ وشرعت في صنع كوبا من النسكافيه و أخذته معي الي الشرفة . كنت أقول لنفسي أنها فرصه لأصلي قليلا، فعادة ما استيقظ مبكراً لأصلي, لكن ليس في مثل هذا التوقيت . لكننى لم أستطيع أن أركز فى الصلاة, لذلك  شربت النسكافيه ثم طرأت لي فكرة :- لماذا لا أذهب لأتمشي في شوارع الحى ، فقد مضت فترة كبيره لم افعل فيها هذا الامر المحبب الي نفسي ، حيث انني اسكن بعيدا في احدي المدن الجديدة و كنت في ذلك اليوم في زيارة لأحد اقاربي في حي المهندسين .

    لم أتجادل كثيرا مع هذه الفكرة ، إرتديت ملابسي سريعاً و إنطلقت الي الشارع تمشيت قليلا و كان الفجر لم  يرسل بعد أشعته الى ليعلن عن معالم النهار الجديد, لكن أول ما فطنت له عيناى هو الورق و الأكياس المتطايره في كل مكان حولى ، لم أبتعد كثيرا حتي رأيت على الرصيف المقابل شيئا ملفوفا أثار فضولى فأقتربت منه لأتعرف علي ما يكون و عندما دققت النظر عرفت من يكون, كان طفلا في التاسعه أو العاشرة علي الأكثر ملتفا بأقمشة جلباب أكبر منه فى الحجم, نائما علي الرصيف و تحته كرتونة قديمة لنوع شهير من الثلاجات. هو لم يراني بل لم يستيقظ من الأساس لكنني رأيت وجهه الصغير و عيناه المغلقتين, بدا لي  للوهلة الأولى كطفل من أطفال الشوارع الذين أشاهد مثلهم في الأفلام العربية, لكنني عندما دققت النظر في وجهه صار وجهه يشبه  وجهه إبني, أو ربما بدأ لى كذلك وقتها. فأبتعدت سريعا عنه ومشيت بعيدا و كأنني اهرب من شئ ما. كنت أحاول ان أقنع نفسي إنه حالة نادرة, ربما لم أري في حياتي غير القليل منها .

  Image  و هكذا إبتعدت و مشيت حتي وجدت أمامي صندوقين كبيرين للقمامة و بينهما كومة كبيرة من القمامة لا أعرف بالتحديد لماذا هي خارجهما ، ربما لأنهما ممتلئان (فى الحقيقة لم يكنا ممتلئان عن أخرهما) ، بالطبع لم يكونا الصندوقان هما بطلا المشهد الثاني, فهم فقط مقدمة لكتاب مغمور يحاول أن يرتب أفكارة و يعبر عن شاهده, لكن البطل كان ذلك الرجل كبير السن الذي كان يقف بجوار أحد الصندوقين بدا لي من بعيد ومع إنعكاس أول شعاع للفجر كأحد هؤلاء القدماء الذين تراهم في الأفلام التاريخية أو الدينية، يرتدي جلبابا قديما و له لحية شيخ ، لكن عندما إقتربت أكثر منه بدا لي أقرب الي موظفي الأرشيف أو التأمينات .ظللت أنظر إليه وهو يبحث في القمامه علي شئ،  ماهو ربما طعام أو شىء يبيعه لا أعلم ، وفجأة التفت إلي و كأنه كان يراني أتأمله منذ وهله و أردف قائلا:- ” هاتفضل واقف كده مكسوف تعال يمكن تلاقي حاجه عدله، الصندوق ده مافيهوش حاجه تعال بص في التاني.” ثم تحرك عند الصندوق الآخر و بدافع الفضول تحركت معه، وبدت الرائحه لا تطاق، ولكنه لم يكن يبالي وكأن الأمر عاديا و أخذ يبحث و يفتش ثم قال : ” آه أيام سوده خلاص الناس بقيت حالتها صعبه قوي مابيرموش في الزباله زي زمان، زبالة المهندسين بقيت زي اي زبالة تانيه فى بولاق و لا ناهيا .” لم انتظرمعه كثيرا ,حييته ثم إندفعت بعيدا في طريقي تاركاً الشيخ وحده يبحث و لم ألتفت الي ماقاله بعد ذلك ولكن أظنني سمعته يهمهم بهذه الكلمات ” معلش لينا رب اسمه الكريم

    كان الفجر قد أشرق و النور بدأ يغير كل شئ حولي لم تكن المحلات قد فتحت بعد و لكنني ظللت أمشئ في شوارع المهندسين الضيقه و صورتي الطفل و الشيخ تتطارداني .حاولت أن أصلي, لكننى كلما كنت أفعل ذلك كانت صورتهم تلمع أمامى وكأن الروح يريد أن يقول شيئا من خلالهما . لذلك قلت لنفسي سأعود الي البيت و أقرأ الكتاب المقدس و سأصلي من أجل هؤلاء البؤساء لعل الله يفتقدهم برحمته. عدت أدراجي الي البيت و جلست علي الأريكه بغرفتي و بدأت بالفعل قراءة الكتاب المقدس لكن سرعان ما وجدت أمامى صورة الطفل الذي رأيته تتكلم إلي قائلة :” أين قلبك؟!” فزعت من قوله حاولت مرة أخري أركز في قراءة الكتاب ووجدت هذه الآيه تكبر وتلمع أمامي “لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا” تركت الكتاب و الغرفة و خرجت إلي الصالة كانت الساعة الثامنة صباحاً ,علي ما أتذكر,ولم يكن أحد من أهل البيت قد استيقظ بعد ، فتحت التلفاز وأخذت أنتقل بالريموت كنترول بين القنوات أحاول ان اضيع وقتا أو أجد برنامج مفيد أشاهده, أو بالحري أهرب مما يطاردني ،استقريت أخيراً علي إعادة لبرنامج يقدمه مذيع أنيق صوته يذكرني بناطقي الفرنسية. قررت أن أشاهد  هذا البرنامج بالذات ، ولا ادري لماذا، ربما بسبب صوت المذيع أو سبب أناقته ، أو حتي سبب نطقه للكلمات و لكن بالتأكيد ليس السبب موضوع البرنامج . وعندما بدأت أركز فيما يقول المذيع وجدته يسخر من جريدة أجنبية وصفت حالنا في مصر بالوضع البائس و المصريين في حالة بؤس ، كان يردد عبارات مثل :” نحن لسنا في بؤس , لدينا خطط و مشروعات ، ومصر بكرة أحلي و ستمضي نحو التقدم و الرخاء”  و بينما هو يتكلم للحظة من الزمن ظهر أمامي فجأة علي شاشة التلفاز ذلك الشيخ الذي قابلته في الصباح عند صندوق القمامة كان يضحك فقط ، لم ينظق بكلمة واحدة كأنه كان يسخر هو الأخر و لكن بطريقة مختلفة.أما أنا فلم أستطع أن اضحك معه بل بكيت بلا دموع ووجدتني أردد بين جنبات ذهني بصوت غير مسموع لكنه قوي ” إننا بؤساء. إننا بؤساء”

Advertisements

Blog at WordPress.com.

Up ↑